من المتـــاريس إلى الشــــاشــــات
الحرب الأهلية اللبنانية في عصر الإعلام الرقمي
الرؤية والهدف
يهدف مشروع "وين كنّــا؟" إلى بناء جسر معرفي بين ذاكرة الحرب الأهلية اللبنـــانية والجيل الجديد، من خلال منصة رقمية تفــــاعلية تفكك خطــــــاب الكراهيــــــــة وتواجــــه الانقســـــــــــامـــــــــــــات نحن نسعى لتمكين الشبـــاب اللبنــــانــي من امتــلاك وعي نقـــدي وتاريخي يتجاوز السرديات الطائفية، مستندين إلى أرشيـف صوري وشهادات إنسانية وأبحاث أكاديمية؛ لإيمــاننــا الراسخ بأن فهمنــــا لموقعنــا في المــــــاضي هو البوصلة الوحيــــــــدة التي ستحدد لنا
لوين رايحين؟
خمسون عامًا على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، نجد أنفسنا أمام تساؤلات وجودية: ماذا حصل فعلًا؟ ولماذا؟ وماذا بعد؟ لكن هذه المرة، الأسئلة لا تطرح في الغرف السياسية المغلقة، بل في فضاء رقمي .يقوده جيل لم يعاصر الحرب، لكنه ورث أثقالها
في لبنان، الخوارزميات ليست محايدة؛ إنها الوريث الشرعي للمتاريس الرملية التي قطعت أوصال بيروت عام 1975
اليوم، تُستخدم معايير التصنيف والظهور لقمع السرديات المناهضة، وتقييد المحتوى الذي يحاول بناء ذاكرة وطنية حقيقية، واستبعاد الروايات التي تُهدّد النظام المهيمن الذي قام على أنقاض الجثث والبيوت المهدمة.
إننا ننتقل من حربٍ كان يُقتل فيها الإنسان برصاصة "قناص" مجهول، إلى حربٍ يُلغى فيها وعي جيلٍ كامل نتيجة الانقسامات المستمرة والسرديات المتضاربة.
كيف يتلقى "جيل زد" هذه الشظايا التاريخية؟
في ظل غياب الرواية التاريخية الموحّدة لما جرى خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وغياب كتاب التاريخ الموحّد عن المناهج الرّسمية، لم يستطيع اللبنانيون تجاوز إرهاصات الحرب، توقّفت المدافع، لكن اللغة الطائفية بين أبناء الوطن الواحد ما زالت تفتك بهم، وعند كل أزمة نراهم يعودون إلى الخندق الطائفي.
يختلف "جيل زد" عن سلفه من الأجيال في كيفية استهلاك المعلومة التاريخية. فبينما تلقت الأجيال السابقة التاريخ كـ "كتلة صلبة" عبر المناهج الرسمية والمؤسسات، نشأ جيل زد في بيئة تكنولوجية مكتملة، حيث لا توجد رواية واحدة مقدسة.
فالحرب بالنسبة لهذا الجيل ليست أرشيفًا مغلقًا، بل
هي سردية حيّة قابلة للنقاش. وهذا جيل لا ينتظر المعلومة لتصل إليه، بل يذهب إليها مشكّكًا، مقارنًا، ومتفاعلًا.في هذا السياق، لم يعد الإعلام مجرد "ملقن"، بل تحوّل دوره إلى "الشرح التشاركي"،حيث يصبح المتلقي جزءًا من صياغة الرواية.
في عالم "الريلز" والفيديوهات القصيرة، قد يظن البعض أن هذا الجيل سطحي، لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
الثقة اليوم لا تُبنى بالخطـــــابــــــــــات البطوليّـــة الزائــــفة، بل عبر ثلاثة محاور أســـــــاسية
التفاعل المباشر
القدرة على التعليق، السؤال، وحتى الاعتراض
الفيديو القصير
الذي يحترم وقت المشاهد ويقدم "الزبدة" دون إخلال بالمعنى
الشهادة الشخصية
القصص الحقيقية التي تعكس تعقيد التجربة الإنسانية بعيدًا عن "التمجيد"
يرى الدكتور علي مكّي، الخبير الإستشاري في الاتصال الاستراتيجي وبناء العلامة الوطنيّة، أن الأزمة ليست فقط في "ماذا" يُعرض، بل في "كيف" يرى هذا الجيل نفسه من خلال المحتوى. ففي ظل غياب الرواية الكاملة للحرب الأهلية اللبنانيّة، يميل الشباب للبحث عن رواية تشبههم إنسانيًّا، حتى لو كانت مجتزأة.
مختبر رقمي
سيف "التجزئة" ذو حدين: هل تضيع الحقيقة في المقاطع القصيرة؟
يطرح استخدام المنصات الرقميّة في موضوع تاريخي وحسّاس كالحرب الأهلية اللبنانية تحديًّا كبيرًا: هل تجزئة أحداث الحرب إلى مقاطع قصيرة يساهم في توحيد الذاكرة أم يعمق الانقسام؟ الإجابة تكمن في "المنهجية". التجزئة يمكن أن تكون مدخلًا ممتازًا إذا كانت ضمن سياق تراتبي وبحثي رصين، كأن تتحول الحرب إلى سلسلة مقاطع تسلط الضوء على مواقع، شخصيات، أو أحداث جغرافية محدّدة بشكل توسعي.أما إذا كانت التجزئة بحسب د. مكي، "من كل وادي عصا" وبدون سياق، فهي لا تفعل شيئًا سوى تضليل الهدف وتشتيت الوعي
فخ "الانحياز الرقمي": لماذا نصدّق ما يشبهنا فقط؟
أما بالنسبة للحديث عن الحرب الأهلية على المنصات الرّقمية على TikTok و Instagram، فهو لا يكفي للعمل على ذاكرة جماعية موحّدة لدى الجيل الجديد، لأن بطبيعة الحال الدراسات الإعلامية تشير إلى أن كل شخص يبحث عن المحتوى الذي يتماشى مع القيم التي تربّى عليها والسردية التي يروّج لها في طائفته، فالمسيحي الماروني سينحاز إلى روايته، والمسلم السني إلى سرديته والشيعي إلى سرديّته، وبالتالي حتى و قدّمت المنصة الرقمية محتوى موضوعي، اذا لم يتماشى مع أفكار المستخدم سيرفض هذا المحتوى وبالتالي لن يتغيّر شيء.
هل يكون البودكاست هو الحل؟
يرى الدكتور جاد ملكي، مدير معهد البحوث التدريب الإعلامي في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، أن المنصات الرّقمية طويلة الأمد مثل 'البودكاست' هي التي يمكن أن تحدث فرقًا على صعيد السردية التاريخية وتشكيل الوعي لدى الجيل الجديد بالإضافة إلى القراءة والبحث، فهي تحتمل أن تكون مدّتها طويلة وتتيح للأفراد النقاش وتبادل وجهات النظر، وتعزز احترام الآخر الذي هو شريك في الوطن.
لا يتوقف الحل عند نوع المنصة أو طول المحتوى فحسب، بل يمتد إلى "منهجية التفكير" التي يمتلكها المتلقي. يطرح الدكتور جاد ملكي، مفهوم "التثقيف الإعلامي النقدي" كأداة لكسر "سلطة الخوارزمية". ففي بلدٍ مثل لبنان، حيث التاريخ هو وجهة نظر، يصبح من الضروري ألا يبحث الجيل الجديد عن رواية واحدة مريحة، بل أن يتعلم كيف يقرأ الروايات المتعددة و المتصادمة في آنٍ واحد.
من الاستهلاك العاطفي إلى التفكيك المنهجي: الرهان الأخير
إن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل "فراغ الذاكرة الجماعية" من ثقبٍ أسود يمتص الأحقاد، إلى مساحة للنقاش المفتوح. وبحسب د. ملكي، فإن القاعدة الأساسية لفهم التاريخ في العصر الرقمي هي "تعددية النقاط"؛ أي أن يقرأ الشاب الرواية "أ" والرواية "ب" ويقارن بينهما بعينٍ فاحصة، لا بعينٍ تابعة.
فالتثقيف الإعلامي في هذه الأمور ليس ترفًا أكاديميًّا، بل هو "درع" يمنع تحوّل المحتوى الرقمي من مادة للتثقيف إلى وقودٍ للانفجار حيث يؤدي الترويج للسرديّات المتضاربة إلى ضياع الهويّة الوطنيّة ما يسهّل على مشعلي الفتن توجيه الطوائف بوجه بعضها.
إنها الدعوة للانتقال من حالة "الاستهلاك العاطفي" للصورة والكلمة، إلى حالة "التفكيك المنهجي" الذي يكشف كيف تُصنع الكراهية رقميًّا، وكيف يمكن إبطال مفعولها من خلال الحوار الذي يحترم تعقيدات الماضي المشترك.
وقبل أن تصبح هذه السرديات مادةً للشدّ والجذب على الشاشات، كانت هناك "حقيقة عارية" تُكتب بالدم وتُحفظ في الغرف المظلمة.هنا، نخرج من الفضاء الرقمي لنعود إلى المتاريس الحقيقية،إلى رائحة البارود ولون الفيلم القديم في عدسة المصور الصحافيوالشاهد على الحقبة الأكثر سوادًا في تاريخ لبنان، نبيل .إسماعيل
لكن
بالنسبة لنبيل اسماعيل، الذي عايش جولات الحرب منذ بدايتها، لم تكن الصورة ترفًا فنيًّا، بل كانت "عبئًا أخلاقيًّا" يوثق انهيار الإنسانية بين أبناء الوطن الواحد. يعيدنا نبيل إلى بدايات الحرب، ليكسر الرواية السائدة اليوم؛ مؤكّدًا أن لغة "المسيحي-المسلم" لم تكن هي المحرك في البداية، بل كان الصراع سياسيًّا بامتياز بين اليسار واليمين، بين الحركة الوطنية التي تضمّ مختلف الطوائف وحزب الكتائب اللبنانية. في ذلك الوقت، لم تكن تسميات "المنطقة الشرقية" و "المنطقة الغربية" قد وُلدت بعد في قاموس اللبنانيين.
ويوضح نبيل أن الحرب سلكت مسارات وتحولات مدروسة؛ فلكي تستمر وتتغذى، كان لا بد من تحويلها منصراع سياسي "عمره قصير" إلى صراع طائفي ومناطقي يستمرّ طويلًا. هذا التحوّل هو ما أدى تدريجيًّا إلىرسم نهائي لخطوط التماس، وفرض الفرز السكانيّ، وتكريس اللغة الطائفية التي نعيش تداعياتها اليوم. إنّها الحقيقة التي تاهت بين رصاص المتاريس قديمًا، و تكاد تضيع اليوم مجدّدًا خلف شاشات التضليل الرقمي
إنو عشو كانوا مختلفين؟
مـــا حــدا بيعـــرف!
إذا كان نبيل إسماعيل، من خلف عدسته، يتساءل بمرارة عن جدوى الخلاف الذي لم يترك رابحًا، فإن الدكتور طليع حمدان، رئيس قسم :التاريخ في جامعة المعارف، يضع هذا التساؤل في إطاره الأكاديمي والتاريخي الأوسع
كان عام 1976 محطة مفصليّة مع دخول "قوات الردع العربي"، وعلى رأسها الجيشالسوري. هذا التدخل الذي جاء في بدايته بطلبٍ من أطراف لبنانية لوقف الانهيار،.سرعان ما تحوّل إلى سلطة وصاية سياسية وعسكرية أدارت اللعبة اللبنانية لعقود
من النكسة للبوسطة: كيف ولعت ببيروت؟
من صراع المحاور إلى صراع الوعي: الإنسانفي مواجهة الذاكرة
أكمل القراءة